سيد محمد طنطاوي
374
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
والخزي : مصدر خزي يخزى بمعنى ذل وهان بمرأى من الناس . وفي هذا التعليل مبالغة في تعظيم أمر العقاب بالنار ، وإلحاح في طلب النجاة منها ، لأن من سأل ربه حاجة ، إذا شرح عظمها وقوتها ، كان رجاؤه في القبول أشد ، وإخلاصه أتم ، وشعوره بالعطاء أقوى . وقوله * ( وما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ ) * أي ليس لهم ناصر ينصرهم من عقاب اللَّه - تعالى - أو يخلصهم مما وقعوا فيه من بلاء . و « من » للدلالة على استغراق النفي ، أي لا ناصر لهم أيا كان هذا الناصر ، وفي ذلك إشارة إلى انفراد اللَّه - تعالى - بالسلطان ونفاذ الإرادة . ثم حكى - سبحانه - لونا آخر من ألوان ضراعتهم يدل على قوة إيمانهم فقال - تعالى - * ( رَبَّنا إِنَّنا سَمِعْنا مُنادِياً يُنادِي لِلإِيمانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا ) * . . . أي أنهم يقولون على سبيل الضراعة والخضوع للَّه رب العالمين : يا ربنا إننا سمعنا مناديا ينادى أي داعيا يدعو إلى الإيمان وهو محمد صلَّى اللَّه عليه وسلَّم ، فاستجبنا لدعوته ، وآمنا بما دعانا إليه بدون تردد أو تسويف . وفي وصفه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم بالمنادي ، دلالة على كمال اعتنائه بشأن دعوته التي يدعو إليها ، وأنه حريص على تبليغها للناس تبليغا تاما . قال صاحب الكشاف : فإن قلت : فأي فائدة في الجميع بين « المنادى » و * ( يُنادِي ) * ؟ قلت : ذكر النداء مطلقا ، ثم مقيدا بالإيمان ، تفخيما لشأن المنادى لأنه لا منادى أعظم من مناد ينادى للإيمان . ونحوه قولك : مررت بهاد يهدى للإسلام . وذلك أن المنادى إذا أطلق ذهب الوهم إلى مناد للحرب ، أو لإغاثة المكروب ، أو لكفاية بعض النوازل ، أو لبعض المنافع . وكذلك الهادي قد يطلق على من يهدى للطريق ويهدى لسداد الرأي وغير ذلك . فإذا قلت : ينادى للإيمان . ويهدى للإسلام ، فقد رفعت من شأن المنادى والهادي وفخمته « 1 » . و « أن » في قوله * ( أَنْ آمِنُوا ) * تفسيرية لما في فعل * ( يُنادِي ) * من معنى القول دون حروفه ، وجئ بفاء التعقيب في قوله - تعالى - حكاية عنهم * ( فَآمَنَّا ) * للدلالة على المبادرة والسبق ، إلى الإيمان ، وأنهم قد أقبلوا على الداعي إلى اللَّه بسرعة وامتثال ، وفي ذلك دلالة على سلامة فطرتهم ، وبعدهم عن المكابرة والعناد .
--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 1 ص 350 .